محمد محمد أبو موسى

657

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

لقصد أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه كما قصد في قوله تعالى : « لا فِيها غَوْلٌ » فتأخير الظرف يقتضى النفي أصلا من غير تفضيل ، وتقديمه يقتضى تفضيل المنفى عنه وهو خمر الجنة على غيرها من خمور الدنيا أي ليس فيها ما في غيرها من الغول وهذا مثل قولنا : « لا عيب في الدار » « ولا فيها عيب » فالأول نفى العيب عن الدار فقط ، والثاني تفضيل لها على غيرها ، أي ليس فيها ما في غيرها من العيب فاعرف ذلك فإنه من دقائق هذا الباب » « 76 » . وأصل هذا الكلام ما قاله الزمخشري في هذه الآية من قوله : « فان قلت : فهلا قدم الظرف على الريبة كما قدم على الغول في قوله تعالى : « لا فِيها غَوْلٌ » ؟ قلت : لأن القصد في ايلاء الريب حرف النفي نفى الريب عنه واثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب كما كان المشركون يدعونه ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد وهو أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه كما قصد في قوله : « لا فِيها غَوْلٌ » تفضيل خمر الجنة على الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي كأنه قيل : ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة » « 77 » . وأما الضرب الثاني من التقديم والذي يختص بدرجة المتقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك فقد كان اعتماد ابن الأثير فيه على ما ذكره الزمخشري أوضح وأبين . يقول ابن الأثير : « فمن ذلك - أي فمن الضرب الثاني الذي لا يحصره حد ولا ينتهى اليه شرح - تقديم السبب على المسبب كقوله تعالى : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » « 78 » فإنه انما قدم العبادة على الاستعانة لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول الطلب وأسرع لوقوع الإجابة . . وعلى نحو منه جاء قوله تعالى : « وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا

--> ( 76 ) المثل السائر ج 2 ص 225 ، 226 . ( 77 ) الكشاف ج 1 ص 27 ( 78 ) الفاتحة : 5